احمد احمد بدوي

22

من بلاغة القرآن

ولقد باعد بين هذه العلوم وبين ما كان يرجى لها من نهوض ، أن كتب دراستها قد امتزجت بدراسات فلسفية ، نأت بها عن تقدير الفن الأدبي ، وآلت الكتابة فيها إلى عبارات موجزة مركزة ، يسودها الغموض ، وتحتاج إلى الشروح والحواشى ، واعتمد مؤلفوها على أمثلة تطبيقية ، بعيدة عن روح الفن ، ولا أثر للبلاغة فيها . هذا فضلا عن الحاجة إلى مراجعة ما قرره العلماء من قبل ، ووضعوه كأنه قواعد ثابتة ، فهو في حاجة إلى التصحيح والتقويم من جديد ، لخطئه في بعض الأحيان . ولا أريد أن أطيل في بيان ما عليه علوم البلاغة الحالية ، من قصور ، وجفاف ، مما يحتاج إلى جهود متضافرة في دأب ، لإنقاذ هذه العلوم ، والأخذ بيدها ، حتى تعود دراستها فنية أدبية ، فتقوم بدورها في إمداد النقد بالقواعد الصالحة ، التي تدرس أسباب الجمال المودع في الجملة ، وليس الشعور بالنقص في علوم البلاغة حديثا ، بل قد شعر القدماء أنفسهم به ، فقالوا إنها علوم لم تنضج بعد . أما صلة هذه العلوم بالنقد الأدبي ، فهي من علوم الأدب الاثني عشر ، التي تحدث عنها القدماء ، ومن الخير أن نتبسط قليلا في الحديث عن هذه العلوم ، لنرى مدى اعتماد النقد الأدبي عليها . فمن تلك العلوم ما يعود إلى دراسة الكلمة المنفردة حينا ، من حيث مادتها ، وهو ما دعوه علم اللغة ، وحينا من حيث انتساب بعض الكلمات إلى بعض بالأصلية والفرعية ، وسموا ذلك علم الاشتقاق ، وحينا آخر من حيث صورة الكلمة وهيئتها مما يدرس في علم الصرف . ومن تلك العلوم ما يعود إلى الجملة ، من حيث أداؤها للمعنى الأصلي ، ويعنى بذلك علم النحو ، أو من حيث إنها تفيد بنظمها معاني أخرى غير منطوق بها ، كالمعاني التي تستفيدها من تقديم الكلمة حينا ، أو تعريفها حينا ، إلى غير ذلك مما يبحث عنه علم المعاني ، أو من حيث إن الجملة تؤدى معناها بطريق الحقيقة ، أو مستعينة بالخيال ، وهو ما يبحث عنه علم البيان ، ويلحقون بهذين العلمين علم البديع ، الذي يعمد إلى التأثير في النفس ، من حيث الصناعة اللفظية أو المعنوية . ومن تلك العلوم ما يعود إلى الشعر ، فيبحث فيه من حيث وزنه ، وذلك علم العروض ، أو من حيث قوافيه ، وما يعتورها من الصحة والسقم ، وهو علم القوافي . كل هذه العلوم التي ذكرناها تدرس المفرد ، أو الجملة والجملتين ، أما النظر